صديق الحسيني القنوجي البخاري

582

فتح البيان في مقاصد القرآن

المكروه ، وفي المصباح شمت به يشمت من باب سلم إذا فرح بمصيبة نزلت به ، والاسم الشماتة وأشمت اللّه العدو به ومنه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء » « 1 » ، وهو في الصحيح . قيل : والمعنى لا تفعل بي ما يكون سببا للشماتة منهم ، وقال مجاهد ومالك بن دينار : لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله بي ، وقال ابن جني : والمعنى فلا تشمت بي أنت يا رب ، وما أبعد هذا المعنى عن الصواب ، وأبعد تأويلها عن وجوه الإعراب . وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي لا تجعلني بغضبك في عداد القوم الذين عبدوا العجل أو لا تعتقد أني منهم مع براءتي منهم ومن ظلمهم . قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي طلب المغفرة له أولا ولأخيه ثانيا ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة فكأنه قد ندم مما فعله بأخيه ، وأظهر أنه لا وجه له وطلب المغفرة من اللّه مما فرط منه في جانبه ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير فيما يجب عليه من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ التي وسعت كل شيء وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فيه ترغيب في الدعاء لأن من هو أرحم الراحمين تؤمل منه الرحمة ، وفيه تقوية لطمع الداعي في نجاح طلبته . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 152 إلى 154 ] إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( 152 ) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 153 ) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلها عبدوه من دون اللّه سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم ، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الذلة هي التي ضربها اللّه عليهم بقوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [ آل عمران : 112 ] وقيل هي إخراجهم من ديارهم ، والأولى أن يقيد الغضب والذلة بالدنيا لقوله : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وإن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلها لا لمن بعدهم من ذراريهم ، ومجرد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب من اللّه عليهم وبه يصيرون أذلاء وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب اللّه عليهم وبه يصيرون أذلاء . وأما ما نال ذراريهم من الذل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كما

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الذكر حديث 53 ، والنسائي في الاستعاذة باب 34 ، 35 .